*📖| يفشل المُبدعون في تأسيس شركاتهم بينما ينجح "التقليديون"؟*
*واحد من أهم الأسئلة التي تُطرحُ من وقتٍ لآخر -حتى لو بشكلٍ غير مُعلن- هو كيف لشخصٍ محدودِ الموهبة والكفاءة، وربما التعليم أن يؤسسَ شركةً ناجحةً قيمتُها -الآن- ملايينُ الدولارات، في الوقت الذي تتوارد فيه أخبارُ الفشل المتكرر لأي مشروعٍ خاضه شخصٌ متّقدُ الذكاء ومتعددُ المواهب وصاحبُ التعليم المميز في أرقى الجامعات؟ فهل الأمرُ لا علاقةَ له بالذكاء؟!*
*في دراسةٍ حديثةٍ أجراها مُبرمجون في جامعة "كاتانيا" الإيطالية تحاولُ البحثَ عن مدى واقعية هذا السُّؤال، أسس الباحثون نموذجاً حاسوبياً للمُجتمع يرصد فرصَ نجاح أفراده بعوامل المثابرة والذكاء والاحتراف والمهارات والاجتهاد، في محاولةٍ لإعادة النظر في فرضية أنّ النجاح دائماً مُقترنٌ بالذكاء والمواهب والاجتهاد. الدراسة أوضحتْ أنّ الأمر في معظمه لا علاقة له "بالذكاء" بالفعل وأنه متعلّقٌ بأمورٍ أخرى أهمُّها على الإطلاق: القدرةُ على اقتناص الفُرص والتمركُز في المكان والزمان الصّحيحين، سواءٌ بقصد أم بدون قصد.*
*الدراسة ضمّتْ مجموعةً من الباحثين في الفيزياء والاقتصاد وعلم الاجتماع، وأُجريت بنظام مُحاكاة كمبيوتري يُحاكي مجتمعاً يعملُ فيه 1000 شخصٍ يملكُ كلُّ فردْ منهم مهاراتٌ مُختلفةٌ تتوزعُ بين المُثابرة والذكاء والالتزام والمهارة بدرجاتٍ مُتفاوتةٍ، ويمتلكُ جميعُهم كميَّةَ رأس المال نفسها للانطلاق في حياتهمُ الماليّة، وجميعُهم مُوزَّعون على مناصبَ مُتعدِّدةٍ.*
*بعدَ أربعين عاماً افتراضية، أظهرتْ نتائجُ التجربة أن توزيعَ الثروة على المُشاركين جاء قريباً للغاية من الواقع الذي نعيشه، وهو أنّ قلةً من الأشخاص حازوا نصيباً كبيراً من الثروة. والمُدهش أن التجربة أوضحتْ أيضاً أنّ الثروةَ كانتْ من نصيب الأشخاص ذوي الذّكاء المُنخفض والمواهب المحدودة والمهارات المُتواضعة أكثر من غيرهم، وهو ما جعل الدراسةَ تؤكدُ أنّ فرضيّة "الذكي وصاحب المهارات" يحققُ النجاحَ بينما "مُتواضع المهارات والكفاءة" يلازمُه الفشلُ هي فرضيةٌ خاطئةٌ، وأن الأمرَ ليس كذلك على الإطلاق، بل في الغالب كان الأكثرَ نجاحاً هم الأشخاص ذوو القدرات المُتواضعة.*
*يروِّج الكثيرون لمفهوم ريادة الأعمال باعتبار أنّه إعادةُ إنتاجٍ مُستمرَّةٍ لنموذج ستيف جوبز وإيلون ماسك وبيل جيتس ومارك زوكربيرج، والتركيز على فكرة بدء شيءٍ جديدٍ ثوري يغيّر قواعدَ اللعبة تماما، وهذا غيرُ صحيح. ليس كلُّ رائد أعمال يجبُ أن يكونَ عبقرياً أو يؤسسُ لمنتجاتٍ أو خدماتٍ ثوريةٍ، في الواقع معظم روَّاد الأعمال الناجحين الذين أداروا شركاتٍ ناشئةً قيمتُها ملياراتُ الدولارات يمكنُ وصفُهم بالعاديين.*
*خرجتْ في السَّنوات الأخيرةِ العديدُ من مقالاتِ الرأي والكتب المُتخصِّصة في ريادة الأعمال التي تقولُ إنه من الأفضل أن يملكَ مُؤسسُ الشركة ومديرُها مهاراتٍ عاديةً بدلاً من المهارات الاستثنائية. في الواقع، تُعدُّ الموهبةُ والكفاءةُ الكبيرة في الكثير من الأحيان عائقاً كبيراً بالنسبة لأصحابها في النجاح في هذا المجال، بينما تُمثّلُ المهاراتُ العاديةُ المتوسّطةُ سبباً في النجاح في هذا العالم. بمعنى آخرَ، العاديون قد ينجحون في تأسيس الشركات أكثر من الاستثنائيين للأسباب الآتية:*
*مع حقيقة أن 75% من الشركات الناشئة تفشلُ في السَّنوات العشر الأولى، تبقى هذه المعلومةُ كابوساً حقيقياً لأصحاب الموهبة ذوي التفكير الزائد* *(Overthinking)، بينما تُعتبر مُجردَ معلومةٍ تُوضعُ في الحسبان لذوي المهارات العادية. الخوفُ من الفشل يعتبرُ واحداً من أهم الأمور التي تواجه رائدَ الأعمال خصوصاً في مراحل إطلاق مشروعه الأولي (Early Stage)، ويُعرّف -بحسب بيزنس هارفارد ريفيو- بأنه شعورٌ عاطفيٌّ مُؤقتٌ تُجاهَ الإخفاق في تحقيق أهداف المشروع.*
*الخوفُ من الفشل يُعتبرُ سلاحاً ذا حدّين، فمن ناحيةٍ قد يكون سبباً في إعاقة تنفيذ المشروع بالكامل بسبب ميل رائد الأعمال إلى دراسة التفاصيل كافة وعدم قدرته على اتخاذ المخاطرة، ومن ناحيةٍ أخرى قد يكون سبباً في تحفيز رائد الأعمال آخر في تكثيف عمله لتجاوز نطاق المخاطرة. كلا الاتجاهين يحملُ منظومةً مُختلفةً تماماً في التعامل مع المشروع، وبالتالي نتائجَ مُختلفةً.*
*ما بينَ الخوف من عدم الاستقرار المالي عندَ بدء شركةٍ ناشئةٍ، والخوف من عدم القدرة على جذب تمويل، والخوف من قوة الفكرة والقدرة على تنفيذها، وأيضاً الخوف من تكلفة هذه الفرصة وتأثيرها في الحياة، يتأرجحُ روَّادُ الأعمال في هذه الدوّامة، فمنهم من يفشلُ، ومنهم من يستمرُّ، وغالباً مَن يستمرُّ هو رائدُ الأعمال العادي الذي يدرسُ العواقبَ، ولكنه لا يخشاها ولا يسمحُ للخوف أن يشلَّ تفكيرَه في التنفيذ واتخاذ القرارات؛ لأنَّه في النهاية يسيرُ بناءً على تخطيطٍ محدَّدٍ (Guideline) ولا يعتمد على تفكيره الزَّائد في عواقبَ ما يقومُ به. .*
*يميلُ الأذكياءُ وأصحابُ المُوهبةِ إلى التشكيك في مهاراتِ كلّ المُحيطين بهم في تنفيذ أيّ شيءٍ، إذ إن شُعورَ الذَّكي الدَّائم بالتفوّق في إنجاز المهامّ بأكملِ وجهٍ مُمكنٍ، ومُقارنة عمله وإنجازه بالآخرينَ من ذوي المهارات المحدودة، يجعلُه دائماً يشعرُ بضرورة أن يقومَ بإنجازِ ومُتابعة كلِّ شيءٍ في شركته الناشئة بنفسه دون أن يتركَ أيَّ فرصةٍ للآخرينَ لمُباشرة أعمالهم بالشكلِ الذي يرونه مناسباً.*
*هذا الشُّعورُ - التفوّق في التخطيط والتنفيذ مُقارنة بالآخرين - يوقعُ أصحابَ الأعمال في دائرةٍ من الضُّغوطِ لا يمكنُ تحملُها. أنتَ تكتبُ بشكلٍ أفضلَ، تخططُ بشكلٍ أفضلَ، تتواصلُ مع الجهاتِ والمُستثمرينَ والمُؤسِّسينَ بشكلٍ أفضلَ، لا تثقْ بأيِّ شخصٍ حولك ولا تفوِّضْ للآخرين أيَّ مُهمَّةٍ إلا وتشترطُ المرورَ عليك أوَّلا. وبالتالي، حتما سيأتي الوقتُ الذي تكتشفُ فيه أنَّ نموَّ عملكَ يسيرُ ببطءٍ شديدٍ وبيروقراطيَّةٍ قاتلةٍ لأيِّ إبداعٍ أو أفكارٍ أو تحسينٍ لأداء الفريق.*
*الشَّركة الناشئة لا تعتمدُ على فردٍ واحدٍ، هي قائمةٌ بالأساس على "تفويض" الفريق بدلاً من العمل الفردي. لذلك، فإنَّ مُؤسِّسي الشَّركات "الموهوبين" يعانون أكثرَ بكثيرٍ من المُؤسسين "العاديين" الذين لا يجدونَ تلك الصُّعوبةَ في إدارة شركاتهم بأسلوبِ تفويض المهام، وفسح المجال للفريق في مُشاركة الأفكار، بل وربما اتخاذ القرارات. السَّببُ أنَّ المُؤسِّسَ الموهوبَ قد يرى أنَّ فريقه ضعيفُ المهارة ولا يمكن الوثوق فيه، بينما المُؤسِّسُ العادي يرى أنّ فريقَه جديرٌ بتفويضِ المهامّ حتى لو حدثتْ أخطاءٌ على المدى القريب أو البعيد.*
*قاعدة باريتو الإحصائية الشهيرة -80% من العمل يتم إنجازه بواسطة 20% من الأشخاص- تفسّر سبب عرقلة المؤسسين "الأذكياء" وتفوق المؤسسين العاديين. فالمؤسس الذكي يميل إلى إنجاز معظم الأعمال بنفسه فيحدث تباطؤ النمو، بينما يتعاون المؤسس العادي مع فريقه لإنجاز العمل، فتكون النتيجة عملاً جماعياً أسرعَ وأكثرَ تنظيماً وأسرع نمواً.*
*"السبب الأساسي للمشكلات في هذا العالم هو أن الأغبياء دائماً واثقون من أنفسهم أشدّ الثقة، في حين أن الأذكياء تملؤهم الشكوك"*
*برتراند راسل، فيلسوف ورياضياتي بريطاني (9)*
*تأثير "دانينغ – كروغر" (Dunning Kruger Effect) هي دراسة ذائعة الصيت أُطلقت باسمي "جاستن كروغر" و"دافيد دانينغ" توضّح الانحياز إلى وهم التفوّق (Illusorysuperiority). الدراسة تم إجراؤها على مجموعة من الأشخاص ذوي القدرات المختلفة في عدة موضوعات، وطُلب منهم أن يقيّموا أنفسهم بأنفسهم. كانت المُفاجأةُ أن الأشخاص ذوي القدرات المحدودة للغاية والذين ظهروا بمظهرٍ هزيلٍ في الاختبارات قاموا بتقييم أنفسهم بأنهم "الأفضلُ"، بينما قيّم الأشخاصُ ذوو القدرات المُرتفعة في الاختبارات أنفسهم بأنهم في مرتبةٍ متدنّيةٍ، وأنهم "غير واثقين" في قدراتهم. *
*اعتُبرت هذه الدراسة أحد أشهر النماذج التي تُظهِر أن هناك علاقةً عكسيةً بين "الثقة في النفس" و"الذكاء وقوة المواهب". كلما كان الأشخاصُ أقلَّ ذكاءً وموهبةً، زادت ثقتهم في أنفسهم وقدراتهم، وكلما كان الأشخاصُ أكثرَ ذكاءً وأكثرَ موهبةً، قلّ تقديرُهم لأنفسهم. وكما قال "راسل"، الأغبياءُ واثقون من أنفسهم دائماً، بينما الأذكياءُ تكتنفهم الشُّكوك.*
*في عالم الأعمال تحديداً، هذا النموذج السيئ يرجّح في كثير من الأحيان لقدرةِ محدودي القدرات على تحقيق إنجازاتٍ أكبرَ من الذكي المُتشكك، خصوصاً لو كان صاحبُها يسيرُ على "دليل عمل" (Guideline) لا يتطلب الكثير من الإبداع. بشكل العام، الثقة بالنفس تحديداً هي المفتاحُ الأساسيُّ الذي يجعل الأمورَ تتحرّكُ إلى الأمام في عالم الأعمال. تحتاج إلى ثقةٍ كبيرةٍ في نفسك في لحظات بداية إطلاق المشروع عندما لا تملكُ أيَّ عملاء، ومع ذلك تشعرُ بثقةِ أنك تُحقّقُ نجاحاً بالفعل!*
*في المبيعات، قد ترتكبُ أخطاءً قاتلةً في الكثير من الأمور في التعامل مع العُملاء بخصوص المُنتج أو الخدمة التي تقدمها، إلا أن ثقتك في مشروعك تجعله يستمرّ رغم كلٍ شيء. إذا وُضعتَ أمام العديد من الخيارات، فثقتكَ في نفسك ستجعلك تختارُ أحدها بدون أن تستمرَّ في دراسة الخيارات الأخرى كافة بشكلٍ أقربَ للوسواس القهري الذي يمنعُك من اتخاذ القرارات. ثقتُك في نفسك ستكونُ هي الدافعَ الأساسيَّ الذي ستتمكَّنُ من خلاله توظيفَ الفريق ولفتَ أنظار الممولين وجذب الاستثمارات.*
*يجدُ الكثيرُ من الأذكياء وأصحابُ المواهب أنفسهم يضيقون ذرعاً بمبدأ التبسيط. في المُعتاد، هم يدرسون الأمورَ بتعقيداتها كما هي، بل وربما يعقّدون الأشياءَ البسيطة بالتعمُّق فيها*
*كقاعدة: الثقة تبيع. والمبيعات هي أكبرُ محددٍ أساسيّ لنجاح شركةٍ من عدمها. كونكَ واثقاً في منتجك وشركتك وطريقك في النمو -حتى لو كانت ثقتك هذه غيرَ مبررةٍ ومبنيةٍ على معطياتٍ خاطئةٍ أحيانا - فإن ذلك سوف يساعدُك على إكمال الطريق حتى النهاية على الأقل، وإنجاز المهامّ بشكلٍ أكثرَ فعاليةً بدلاً من الوقوف أمام كلّ خُطوةٍ مُتشككاً في جدواها.*
*لذلك فهم لا يتّبعون مبدأ القُبلة الشهير في عالم الأعمال (Kiss Principle) وهو اختصار: "أبقِ الأمور بسيطة، يا غبي" (Keep it simple, Stupid). هذا المبدأ -مبدأ تحويل كل الأمور إلى التبسيط- يؤدي في الغالب إلى تحقيق النجاح في عالم الأعمال.*
*في معظم الأحيان تكونُ المصانعُ والشركاتُ المسؤولة عن إنتاج مُنتجاتٍ مميزةٍ على درجةٍ كبيرةٍ من التعقيد، إلا أن داخل هذا التعقيد تكونُ سلسلةً طويلةً من المراحل والوظائف شديدة البساطة. كلّ مُهمةٍ يتمّ تكسيرُها* *(Breaking down) إلى سلسلةٍ من الخطواتِ البسيطة التي يمكنُ عملها بسهولةٍ، وهو ما يؤدي في النهاية إلى خلقِ مُنتجاتً وخدماتً جيدةٍ أو مشروعاتٍ عملاقة.*
*مطعم الوجبات السريعة العالمي الأشهر "ماكدونالدز" مثلا يعتمد على عملياتٍ شديدة التعقيد تُنتج عدداً هائلاً من شطائر البرجر في زمنٍ قياسيٍّ يلائمُ الإقبالَ الجماهيريّ عليه، ومع ذلك هذا التعقيدُ ينقسمُ داخلياً إلى عددٍ كبيرٍ من العمليات الداخلية المُبسّطة التي يمكنُ لأيّ أحدٍ القيام بها بسهولةٍ، بدءاً من إعداد الوجبات وانتهاءً بتقديمها إلى المُستهلك. يبدو الأمرُ إجمالاً أنه شديدُ التعقيد، ولكن في داخله يحملُ مراحلَ مُتدرَّجةً شديدةَ البساطة. لذلك، كونُك ذكياً أو مُتعددَ المهارات لن يخدمكَ كثيراً في عالم الأعمال إذا لم تلتزم بمنهجيّة الـ "Kiss" لتبسيط الأعمال والعمليات والمهام؛ لأن التبسيط هو الأساسُ الذي يقومُ عليه العملُ الناجح، بغضِّ النظر عن كونكَ مُؤمناً به أم لا في أي مجال آخر..*
*مُعضلةُ "القيود الذهبية" (golden handcuffs) تعتبرُ واحدةً من أخطر المُشكلات التي تواجه الأشخاصَ الموهوبين أو ذوي المهارات في طريقهم لتأسيس شركاتهمُ الناشئة، بل ربما تعتبرُ هي العقبةَ الأهمَّ والأبرزَ على الإطلاق. غالباً الشَّخصُ الموهوبُ الذكيُّ يكون قد شقَّ طريقاً جيداً في طريق الوظيفة النظامية في شركاتٍ كُبرى عملاقةٍ تتيحُ له نمطاً وظيفيا واجتماعياً ممتازاً، يجعلُ من قرار تخلّيه عن وظيفته المأمُونة المُريحة قراراً مجنوناً شديدَ الصُّعوبة، يعتبرُ أقربَ إلى الانتحار خصوصاً في ظلّ تراجعِ مُعدلات التوظيفِ العالمية.*
*هنا تظهرُ الأزمة، الشَّخصُ الموهوبُ صاحبُ المسيرة الوظيفية المُتميزة يكونُ مقيداً بقيدٍ ذهبيٍّ من الصَّعب التخليّ عنه ليبدأ في تأسيسِ شركةٍ ناشئةٍ منَ الصفر، في الواقع الأمرُ أقربُ إلى مُغامرةٍ. بينما الشَّخصُ الطبيعيُّ صاحبُ المهارات العادية المُتوسطة غالباً لا يكون لديه ما يخسره عندما يبدأ إنشاء شركة ناشئة مباشرة، أو يتخلى عن وظيفةٍ روتينيةٍ مُملةٍ لا تضمنُ له أيَّ نجاحٍ أو تقدمٍ وظيفيٍّ على المدى القريب أو البعيد.*
*في الغالب، تتعددً الاختياراتُ "الجيدة" أمامَ الشّخص الموهوب أو صاحب الكفاءة في مسيرته الوظيفية، وكلُّ فُرصةٍ تحملُ في طياتها المزيدَ من الوعود بالراحة والأمان الوظيفي والاستقرار الاجتماعي بشكلٍ مُباشر. بينما فكرة إنشاء شركةٍ ناشئةٍ من الصّفر قد لا تحملُ شيئاً سوى مخاطرةٍ غير محسوبةِ النتائج وساعات عملٍ أكثر ومهام أشد إرهاقاً، وحالة كاملة من اللا أمان واللا استقرار في بدايات تأسيس المشروع. وبالتالي، يكون من الصعب جداً لأصحاب الكفاءات التخلي عن مسيرتهمُ الوظيفية لبدء تأسيس شركةٍ ناشئةٍ، بينما يكونُ من السهل والمفضَّل لأصحاب المواهب العادية البدء في تأسيس شركة ناشئة بدلاً من الانشغال بوظيفة روتينيةٍ مملةَ.*
*يميلُ أصحابُ الموهبة والمهارات الخاصة إلى فرض رؤيتهم على الآخرين بدونِ مُناقشةٍ. أنت ستفعل كذا، وأنت ستفعل كذا بطريقةٍ محددةٍ، وأنت ستحققُ هذا الهدفَ بهذه الكيفية. السببُ أنه يعتبرُ نفسه الأكفأ، وبالتالي يجبُ أن يقومَ بتوجيه كلّ شخصٍ في فريقه إلى الهدف، وأيضاً تعريفه بالوسيلة والأدوات التي يحققُ بها هذه الأهداف، ويرفضُ أن يتركَ لهم مساحةً من الحُرية للإبداع والابتكار، فتتحولُ بيئةُ العمل إلى بيئةٍ قاتلةَ للإبداع قائمةَ على فِكر ورأي رجلٍ واحدٍ، وهو المُديرُ التنفيذيُّ.*
*العكس بالنسبة لمؤسسي الشركات ذوي المهارات المُتوسطة والكفاءات العادية، فهم يبذلون جهدَهم كله غالباً لتوظيف مَن هم أكثرُ ذكاءً منهم، وإطلاق أيديهم في تولّي المسؤوليات وإداراتها بالكيفية والأدوات التي يرونها مناسبةً؛ لتحقيق هذه الأهداف، وهو ما يجعلُ بيئاتِ العمل أكثرَ انفتاحاً وحريةً وأكثرَ ميلاً لمفهوم الابتكار (Innovation) الذي يُعتبرُ أساسَ تطور الشركات الناشئة.*
*في النهاية، يحفظ التاريخُ مقولةً منسوبةً لكالفين كوليدج، الرئيس الثلاثين للولايات المتحدة، تعتبرُ من أكثر القواعد التي توضّح العنصرَ الفعَّالَ لمفهوم النجاح في الحياة عموماً، وربما في الأعمال خصوصاً:*
*"لا شيءَ في العالم يمكنُ أن يحلَّ محلَّ الإصرار. الموهبة لا تستطيعُ، لا يوجدُ شيءٌ أكثرُ انتشاراً من الأشخاصِ الفاشلين المُمتلئين بالمواهب. العبقرية لن تفعل، العبقري الذي لا يحصل على مردودٍ لعبقريته أصبح أمراً شائعاً. التعليم لن يفعلَ، العالمُ مليءٌ بالمُتعلمين الفشلة! الإصرار والتصميم وحدَهما هما الأمرُ الفعَّالُ. الشِّعارُ: استمرَّ بالضغط! كان دائماً هذا الشعارُ يحلُّ وسوفَ يحلُّ كلَّ مشكلاتِ الجنس البشري".*
*المصدر : الجزيرة*